آخر ظهور

كم شخص منا اليوم وكم عائلة يجمعهم مكان واحد و تفرقهم هواتفهم ؟ كم من لقاءً عائلياً تجد فيه كبار السن معزولين عنا. يجلسون بين افراد عائلتهم وحيدين لا يجدون حتى الاطفال ليتواصلون معهم . لإنشغال هذه المخلوقات اللطيفة ايضاً بالهواتف . التي ظهرت وظهر بها عالم التواصل الإجتماعي الذي قرب البعيد وأبعد القريب وجعل العالم قرية صغيرة لا يرى فيها الشخص من هو جالساً أمامه ويتابع بشغف ويتواصل بإستمرار من هو في أبعد نقطة عنه. كل ذلك بفضل التواصل الإجتماعي الذي جعل من كبار السن في بيتي و بيتك هم الحاضرون للتواصل ونحن الغائبون عنهم – والمتصلين مع غيرهم.

لربما لم تلحظ ذلك؟ او لم تفكر به قبل؟ ولكن كن على يقين بإنهم يتألمون بشدة ، ولكنهم متوارين خلف إبتساماتهم لك. مغتنمين فرصة اشاحة نظرك عن شاشة الهاتف لهم ولو كانت للحظات، يحاولون قطع إتصالك بالهاتف بسؤالك عندما تبتسم له : مالذي يضحكك؟ هل أصابك الجنون لتضحك لشاشة صغيره؟ مالمضحك؟ كل هذه الأسئلة الحثيثه ماهي الا نداء لك ” نحن هنا حاضرون ” جميعنا نحضر في لقاءاتنا العائلية ونحرص كل الحرص عليها كونها عادةً صحية في مجتمعاتنا ولكن! حضرنا بإجسادنا وانقطعت ارواحنا عن الإتصال بهم. بات الموضوع تسجيل حضور لا أكثر ولا أقل .

هل تعلم أن بعض الأحيان عندما يسأل كبير السن عن ماهية الهاتف او يتلعثم في نطق اسم تطبيق ما او لعبة معينة يصعب عليه لفظها و يواجه ضحكات استهزاء به لإنه تلعثم بنطقها او يجهل ماهيتها، انت بذلك التصرف تسبب ألماً جماً له ، كونه هو او هي من علمك النطق عندما كنت تتمتمُ. وصحح اعوجاج لسانك عندما كنت صغيراً تجهل مخارج الحروف و صحح لك وامسك بيدك والقلم و قوم ميلان كتاباتك التي غالباً ما كانت تخطئ السطر وتميل عنه. ودارت به الاعوام ليرى اعوجاجاً جديداً في تعاملك وميلان ينحدر بك و بأخلاقك للأسف . ولكنه ليس في وقتً للتصحيح اكثر من كونه يقاتل الايام ليعيش يوماً آخر بقربك. هذه الايام التي تكون غالباً فيها انتَ متصل مع العالم ومنقطع الاتصال عنهم.

مثل هذه الايام التي جعلت انت بها من حضورك غياب في حياتهم ، ستأتي بك سنوات سيكون غيابهم عنك حضوراً لهم بكل قوة و سيأكلك الشعور بالندم و بالحسرة على مافاتك من وقتً قد ضاع منك متصلاً بمن انقطع عنهم الوصال .. ولكن بعد فوات الأوان! بعدها ستستوعب بأنه فعلاً كان آخر ظهور لهم ولن يعود متصلاً الآن وللأبد.

استحضرتُ حروفي معي لعلي بذلك أحدث تغييراً في حياتك اليوم ، حيثُ ما زال بإمكانك الحضور في حياة من سيغيبون بعد حين . حفظكم الله ورحم من انقطع به اتصالنا وجمعنا بهم وبكم في جنة عرضها السموات والأرض.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *